يُعد الاعتبار الشخصي من أهم الخصائص المميزة لعقد الشركة، حيث يؤثر بشكل جوهري على كافة مراحل العقد من الانعقاد وحتى التنفيذ والانقضاء. يقوم هذا المبدأ على فكرة أن الشركاء يختارون بعضهم البعض بناءً على اعتبارات شخصية تتعلق بالثقة والكفاءة والسمعة التجارية، مما يجعل شخصية كل شريك عنصراً أساسياً في تكوين الشركة واستمرارها.
يتجلى الاعتبار الشخصي في عدة جوانب أساسية تشمل الثقة المتبادلة بين الشركاء، والخبرة المهنية والتقنية التي يمتلكها كل شريك، والسمعة التجارية والاجتماعية، والقدرة المالية والائتمانية. هذه العوامل مجتمعة تخلق رابطة شخصية قوية تميز عقد الشركة عن غيره من العقود التجارية.
تبدأ أهمية الاعتبار الشخصي من اللحظة الأولى لتكوين عقد الشركة، حيث يؤثر على عملية الإيجاب والقبول بطرق متعددة. عندما يقدم شخص إيجاباً لتكوين شركة، فإنه يوجه هذا الإيجاب لأشخاص محددين بذاتهم وليس لأي شخص آخر. هذا التخصيص يعكس الطبيعة الشخصية للعقد ويجعل الإيجاب مقترناً بشخصية من وُجه إليه.
يترتب على هذا المبدأ عدة نتائج قانونية مهمة في مرحلة التعاقد. أولاً، لا يجوز قبول الإيجاب من قبل شخص غير المخاطب به، حتى لو كان يتمتع بنفس المؤهلات أو أفضل منها. ثانياً، لا يمكن تحويل الحق في قبول الإيجاب إلى الغير دون موافقة صريحة من الموجب. ثالثاً، ينقضي الإيجاب بوفاة أو فقدان الأهلية للشخص الموجه إليه، حتى لو لم تنته المدة المحددة للقبول.
يؤثر الاعتبار الشخصي على صحة انعقاد عقد الشركة من خلال اشتراط توفر شروط خاصة في الشركاء. هذه الشروط تتجاوز الشروط العامة لصحة العقود وتشمل عناصر شخصية محددة قد تكون ضرورية لنجاح الشركة.
عندما يتبين أن أحد الشركاء لا يتمتع بالصفات الشخصية التي كانت محل اعتبار عند التعاقد، فإن ذلك قد يؤثر على صحة العقد. يمكن للشركاء الآخرين في هذه الحالة المطالبة بإبطال العقد للغلط في الشخص، أو طلب فسخ العقد إذا كانت هذه الصفات شرطاً جوهرياً في التعاقد.
يمتد تأثير الاعتبار الشخصي إلى مرحلة تنفيذ عقد الشركة، حيث يفرض التزامات خاصة على الشركاء تتجاوز الالتزامات المالية المعتادة. هذه الالتزامات تنبع من الطبيعة الشخصية للعلاقة وتهدف إلى المحافظة على الثقة والتعاون بين الشركاء.
يلتزم كل شريك بتقديم عمله الشخصي ومهاراته وخبراته لخدمة الشركة، ولا يمكنه تفويض هذا الالتزام لشخص آخر دون موافقة باقي الشركاء. كما يلتزم بعدم منافسة الشركة أو العمل لصالح منافسيها، وبالمحافظة على أسرار الشركة وعدم إفشائها للغير.
يؤثر الاعتبار الشخصي بشكل مباشر على قابلية انتقال الحصص أو الأسهم في الشركة. بينما تكون الأسهم في الشركات المساهمة قابلة للتداول بحرية، فإن الحصص في شركات الأشخاص تخضع لقيود صارمة بسبب الطبيعة الشخصية لهذه الشركات.
لا يجوز للشريك في شركة التضامن أو التوصية البسيطة أن ينقل حصته إلى الغير دون موافقة جميع الشركاء الآخرين. هذا القيد يهدف إلى المحافظة على التركيبة الشخصية للشركة وضمان استمرار الثقة والتعاون بين الشركاء.
تظهر أهمية الاعتبار الشخصي بوضوح في الأحكام القضائية التي تناولت منازعات الشركات. تؤكد المحاكم باستمرار على أن فقدان الثقة بين الشركاء أو تغير الظروف الشخصية لأحدهم يمكن أن يكون سبباً مبرراً لحل الشركة أو خروج الشريك منها.
يؤثر الاعتبار الشخصي أيضاً على أسباب انقضاء الشركة، حيث تنقضي شركات الأشخاص بوفاة أحد الشركاء أو فقدانه للأهلية أو إشهار إفلاسه، ما لم ينص عقد الشركة على استمرارها مع الورثة أو الشركاء الباقين.
هذا الحكم يعكس الطبيعة الشخصية للشركة، حيث أن وفاة الشريك تعني فقدان العنصر الشخصي الذي كان محل اعتبار عند تكوين الشركة. لا يمكن للورثة أن يحلوا محل المورث تلقائياً، لأنهم قد لا يتمتعون بنفس الصفات والمؤهلات التي كانت محل اعتبار.
يُعد الاعتبار الشخصي إذن عنصراً جوهرياً في عقد الشركة يؤثر على جميع مراحله، من الانعقاد إلى التنفيذ والانقضاء. فهم هذا المفهوم وتطبيقاته العملية ضروري لكل من يرغب في تكوين شركة أو المشاركة فيها، حيث يساعد على تجنب المنازعات وضمان نجاح المشروع التجاري.